المنجي بوسنينة

386

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كتبهم ، التاركين الهوى والجدل ، غير متعصّبين على المذاهب » . وأفراد الجماعة يتعاونون متآخين بالعلم والمال . فمن رزق المال والعلم جميعا وجب أن يؤدّي شكر ما أنعم الله جلّ وعزّ به عليه ، بأن يضمّ إليه أخا ممّن قد حرمهما جميعا ، ويواسيه من فضل ما أتاه اللّه تعالى من مال ليقيم به حياة جسده في دار الدنيا ، ويرفده ويعلّمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة . . . ولا يمنّ عليه بما ينفق عليه من المال ، ولا يستحقره ، ويعلم أنّ الذي حرم أخاه هو الذي أعطاه [ الرسائل ، ج 4 ، ص 115 ] . ويتّضح من ذلك أن مقصد إخوان الصفاء هو سعادة الإنسان دنيا وآخرة . وقد وضعوا أفكارهم كلّها في مجموعة من الرسائل وصل مجموعها إلى اثنتين وخمسين رسالة ، آخرها الرسالة الجامعة . وهذه الرسائل هي مجموعة من الكتابات الفرديّة للجماعة ، كتبت متفرّقة ثمّ جمعت وصيغت في عبارات سهلة وسلسة ليسهل استيعابها ، بما يتسق والهدف التعليمي الذي توخّته الجماعة . وقد قسم المؤلّفون رسائلهم المبثوثة - تبع شروط - في الناس أربعة أقسام : أوّلها الرسائل الرياضيّة الطبيعيّة ، وعددها ثلاث عشرة ، والثاني الرسائل الجسمانية الطبيعيّة ، وعددها سبع عشرة ، والثامنة منها تتضمّن المنازعة الشهيرة بين الإنسان والحيوانات ، والقسم الثالث الرسائل . . . العقلانية وعددها عشر ، والرابع الرسائل الناموسيّة الإلهية والشرعيّة الدينية وعددها إحدى عشرة ، وإلى جانبها وعلى نحو أكثرها سرّية وكتمانا ، الرسالة الجامعة ، وأحيانا ما يسمّى جامعة الجامعة . جعل إخوان الصفاء القسم الرياضي أوّل أقسام رسائلهم لما للعدد من مقام كبير في فلسفتهم وهو منهج الفيثاغوريين منهم ، فاعتبروا أنّ العدد أصل الموجودات ، ورتّبوه على الأمور الطبيعيّة والروحانيّة ، واعتمدوا فيها المربّعات لأنّهم وجدوا عدد الأربعة في أكثرها ، مثل الطباع ، والأركان ، والأخلاط ، والأزمان ، والجهات ، والرياح ، والأوتاد ، والمكوّنات . فصار العدد أربعة له شرف الصدارة عندهم ، مع ما لسائر الأعداد من الفضل في نسبة بعضها كما توجد النسبة في الأمور الطبيعيّة والأمور الروحانيّة . أمّا القسم الطبيعي فقد سلك فيه الإخوان مسلك الأرسطيين فتكلّموا عن الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة والآثار العلويّة ، وعلى المعادن والحيوان والنفس واللذّة والألم ، وعلى الأصوات وإدراك القوّة السامعة لها . وقالوا بمبدأ تماسك المخلوقات وهو مذهب النشوء والارتقاء ، فالمعدن أوّله متّصل بالتراب والماء وآخره متّصل بمرتبة النبات ، وخضراء الدمن هي أدناها فما هي إلّا غبار يتلبّد على الأرض والصخور ، ثمّ تصيبه الأمطار وندى الليل فيصبح نبتا وزرعا وحشائش ، فإذا أصابه حرّ شمس جفّ ، وآخر المرتبة النباتية متّصل بمرتبة الحيوان ، والنخل هو آخر مرتبة النبات لأنّه نبات حيواني مباين في أحواله أحوال النبات ، وفي لقاحه ونموّه أحوال الحيوان ، فلقاحه من الفحولة كلقاح إناث الحيوان ، وإذا قطعت رؤوس النخل جفّ وبطل نموّه ومات